مقالات

١١ أبريل : ما حدث وكيف تم ؟!

١١ أبريل : ما حدث وكيف تم ؟!
الطاهر حسن التوم
_____
_ (فهل إلى خروج من سبيل) قران كريم_

الحادي عشر من أبريل ، عام على رحيل حكم الرئيس البشير ، ولم تزل كثير من خبايا و تفاصيل هذا الرحيل غامضة ، عصية على الكشف ، بيد أن بعض المتاح منها مبذول لساحة الجدل وفقا للمرويات ، جدل أمتد حتى في توصيف عظم ما حدث أهو ثورة أم انقلاب ؟ فالبعض رأه انقلاباً عسكرياً توسل للسلطة بهياج الشارع المصنوع على يد خبراء”مخضرمين ” تخصصوا في صناعة الثورات ، وأخر يراه فعلاً شعبياً خالصاً أجبر العسكر على الأستجابة اليه تماماً كما حدث في انتفاضة السادس من ابريل ١٩٨٥م على يد المشير سوار الذهب رحمه الله .

 

طرح البعض سؤالا مشروعاً ومنطقياً عن مقدار الدورالذي لعبه الخارج في هذا التغيير ، وهل يقع هذا الدور في دائرة الصناعة أم الأستثمار والتوظيف ؟! لا سيما والمنطقة تعيش في ظل استقطاب حاد ، وصراع محاور متنافرة ، و “الصناعة” هنا تعني توفير الأرضية والأسباب والظروف وتدفع للفعل وتعين عليه ، بدعم خفي مالي وأعلامي ومخابراتي ، والاستثمار والتوظيف يعني أن تدخل في ما يتم على الأرض من حراك ، لتقوده صوب غايات ترجوها وتتغياها .

 

كان البشير “صليحاً” و”عدواً” للجميع، فرغم تحالفه في حرب اليمن مع السعودية والأمارات الا أنه حافظ على صلة جيدة مع قطر وتركيا ، و برغم قطيعته مع الأيرانيين الا أنه رفض الأنتظام في حلف ضدهم ، و على الرغم من تبنيه لخيار حل الحركة الإسلامية في السودان الا انه ترك هذا الخيار لشورى الجماعة ، ووقف ضد سيناريو ضربها والتخلص منها بالقوة الذي دعاه له حلفه الجديد ، ورغم أنه لم يكن ضد خط التسوية مع اسرائيل في الجامعة العربية وفقا لرؤية عربية مشتركة الا انه كان يرفض التطبيع مع اسرائيل بشكل منفرد أسوة بكل دول الجوار ، ورفض البشير كذلك الاستجابة للضغوط الداعية له للوقوف ضد المحور السعودي الأمارتي المصري والانسحاب من حرب اليمن ، ووضع البحر الاحمر في يد المحور المضاد وان ناور بذلك في اوقات !

البشير فاوض الولايات المتحدة الامريكية وسعى لآنهاء القطيعة معها ، و لما استيأس منها أندفع معززاً صلاته بروسيا إلى درجة طلب الحماية ، وأسند طلبه بزيارة الى سورية كاسراً حائط العزلة العربية ، بأعتباره أول رئيس عربي يهبط مطار دمشق بعد الحرب ، معلنا بذلك عن وصل جديد مع محور الممانعة .

تعاون فرقاء المنطقة برغم خلافاتهم المتجذرة على مد يد العون الظاهر والخفي لإنهاء حكم البشير ، كانت آلتهم الاعلامية المختلفة في كل شىء تتحد في نقده ومحاصرة حكمه ، ومن المضحك أن قنوات التيار الإسلامي في تركيا كانت مبادرة وفاعلة في ذلك متقدمة على قنوات الخليج .

القول المضحك هو أستمرار بعض خصوم الرجل في وصفه في بعض اجهزة الاعلام( بالإخواني ) !! و المفارقة ان هذا ” الاخواني” كما يقولون كان في صف سورية في حربها ، ومساند للرئيس السيسي وجيش مصر ، ومساند لحلف السعودية والامارات . ( ربما الدافع لهذا الفرز بين قناعاته الفكرية الذاتية ومواقفه السياسية المرتبطة بتقديرات الممكن والمتاح والمقدور عليه ، بعد ان جرب السير في درب العداء مع المحيط والجوار في العشرية الأولى ، وما تبع ذلك من أذى بالغ للسودان) .

لم يكن للباحث الدقيق أن ينصرف عن تأثيرات الخارج على مشهدنا السياسي الداخلي وعن مدى هذا التأثير في ما تم ، فمشاهد الشارع وهو يثور ويغلي صادقة وحقيقية ، ودوافعه وطنية لا شك فيها ، وبواعثه أقتصادية كانت أوسياسية لم تكن مزعومة أو متهمة ، لكنها في المقابل ليست كافية لتجعل الصورة كاملة ، ففي عالمنا الذي نعيش فيه للآحداث ظاهر وباطن ، وبين الفاعلين ظاهر ومستتر ، وصراع أجهزة المخابرات تنفيذاً للأجندات وتحقيقاً لمصالح دولها لا تخفى على كل حصيف ومتابع ، فالسودان كان وما زال وسيظل – منذ حكمه الوطني الأول وحتى اليوم وغداً – هدفاً لتدخلات المتدخلين علناً وسراً ، ولا استثني حتى اسرائيل التي يعد البعض أتهامها من قبيل الفزاعة ونظرية المؤامرة ، فهي كانت تعبث ببلادنا عبر بوابة جنوب السودان منذ تمرده الأول وحتى الانفصال ، وكانت حاضرة في ترحيل الفلاشا، وفي تسعير حرب دارفور ، وربما تعكس لنا عجلة البرهان للقاء نتنياهو في يوغندا تقديره لهذا الحضور ومدى تأثيره في رسم المشهد السوداني .

قامت المنظومة الأمنية للرئيس البشير ، بوضع سيناريو النهاية ، فهي من أرشدت وسهلت للمحتجين الثائرين الطريق الى بوابة القيادة العامة ، بل وحتى الى مقر اقامة الرئيس البشير نفسه، وكان حينها داخل داره يسمع هتاف المطالبة بالرحيل، قريبا من أذنيه هذه المرة ، في موقف شديد الشبه بالحالة المصرية ، حيث آمر المشير طنطاوي قوات الجيش المصري بسحب الاسلاك الشائكة وفتح الطريق للمتظاهرين الثائرين للتحرك صوب قصر الاتحادية ،مبررا ذلك بقوله ( يجب ان يسمع الرئيس). كانت قيادة الجيش المصري خوف التوريث من جهة ، ودفع شرور ومخاطر وطنية من جهة أخرى ترغب في دفع مبارك للتنحي ومغادرة المشهد بحيث يكون الأنتقال سلساً يحول دونهم و تعقيد الانقلاب. وقد كان لهم ما أردوا والمدهش أن مهندس النهاية كان هو رئيس المخابرات عمر سليمان الصديق الودود للفريق اول صلاح قوش.

لم تنجح المقاربة مع الحالة المصرية في دفع الرئيس البشير لسيناريو مماثل برغم كسر المحتجين لدائرة الحماية الحساسة للرئيس( وصلوا الساحة الداخلية لمنزله ). لم يكن صوت الرصاص ولا هتافات الثائرين والتي تبلغ مكان نومه وراحته بدافعة له للخروج الى مقر أجتماعات اللجنة الأمنية لمتابعة وقيادة الموقف الميداني ، بل ولم تدفعه حتى لمغادرة السكن الى أخر أكثر امناً له ولأسرته ، أكتفى الرجل بالتحرك بين صالون بيته لمقابلة زائريه ، وبالمسجد للصلاة ، ولزيارة والدته للاطمئنان عليها .

واذ لم ينجح الاعتصام في تحريك البشير الى التنحي كان الأمر يستوجب قليلا من الصبر والتخطيط للحصول على هذه النتيجة.

لكن من عجل بتحرك المنظومة الأمنية صوب السيناريو الأخير ، معلومات ملكها الفريق قوش لهم ، كان قوش يشعر بدائرة الشك تتسع كل يوم بينه والبشير ، وتجلى له ذلك بشكل صريح يوم أن رفض البشير أن يغادر قوش لوحده لمقابلة قوى المعارضة في منزل مساعد الرئيس السيد عبد الرحمن الصادق طمعاً في أنجاز تسوية سياسية ، أشترط الرئيس ضرورة وجود مساعده احمد هارون ، لكن ما أزعج قوش في تقديري بشكل كبير مساء العاشر من أبريل هو ما قاله له الرئيس البشير .

أخطر البشير مدير جهاز الأمن الوطني برغبته الذهاب بنفسه لمقر اللجنة الامنية ، بما يعني قيادته لها لعدم استجاباتها بشكل فاعل لتوجيهاته ، وأخطره كذلك بأن قراراً جمهورياً سيصدر في صباح اليوم التالي و هو الحادي عشر من أبريل يقضي بتعيينه نائباً اول للرئيس خلفاً لأبنعوف . ( لا شك أن قوش فهم أن هذا القرار تخفيض وابعاد اكثر من كونه ترفيع وهو كذلك )

أجتهد قوش في اثناء الرئيس البشير عن قراره مغادرة بيت الضيافة لمقر اللجنة الأمنية ( كان البشير يلبس الكاكي ) برر قوش ذلك بأنه لا حاجة تقتضي ذلك ، فيمكن للجنة الأمنية ان تأتي الى بيت الضيافة ، وكل شىء سيكون في الغد كما يود ويحب .

أسرع قوش لمقر اللجنة الامنية واضعا” بين يديها توجيهات الرئيس وتوجهاته الجديدة ، وربما أستحثها ما قال بشكل صريح لضرورة اتخاذ الخطوة الأخيرة القاضية بعزل البشير بدلا عن انتظاره ليغادر وحده ، وعندما عارض الفريق أول أبنعوف الخطوة متعللا بعدم الجاهزية لذلك اجابه احد اعضاء اللجنة : ما هو المطلوب ؟ ولا ينتظر الأجابة ليقول : بيان فقط و أعتقال الرئيس ! البلد كلها في يدنا !

كانت قوات الدعم السريع قد نشرت بشكل كثيف في كل المرافق الحساسة في العاصمة ,وحتى على مداخل بعض مقار الجيش ، و التبرير لهذا الأنتشار ، مقاومة أنقلاب يتم ترتيبه من قبل المعارضة , كانت مقاومة انقلاب مزعوم هي الخديعة لتنفيذ الانقلاب الحقيقي في تقديري ، والمدهش أن عملية النشر لقوات الدعم السريع هذه طمأنت أو قل خدعت الرئيس و قد كانت عامل قوة الأنقلاب الثاني ضد قوش وابنعوف نفسيهما .

ولأكون دقيقاً ، فأن اللجنة الأمنية في سباق مع الزمن ، خطوات الرئيس القادمة بعد ساعات قد تدفع بهم الى المجهول لا سيما اذا تم الكشف عن ترتيبات تمت طوال شهور مع قيادات في قوى المعارضة واطراف أخرى .

ظهر الفريق أول البرهان في بيت الضيافة ليعلم البشير بقرار قيادة المنظومة الأمنية بعزله ووضعه في الإقامة الجبرية المدهش أن البرهان لم يكن عضوا في اللجنة الأمنية ، وأن أبلاغ البشير بهذا القرار الخطير كان توجيهاً صدر اليه من الفريق أول عوض أبنعوف ، والسؤال البديهي لماذا لم يقم أياً من اعضاء اللجنة بتبليغ الرئيس بقرارهم ، بجيب البرهان للزميل ضياء بلال : (ربما لتقديرات يعلمونها هم) . وأرسل ابتسامة قصيرة تفصح عما سكتت عن اكماله الكلمات .

( نواصل )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق