مقالات

لماذا ينبغي علينا التفكير في ما بعد “قحت ” وحمدوك ؟!

لماذا ينبغي علينا التفكير في ما بعد “قحت ” وحمدوك ؟!
الطاهر حسن التوم

لم تبصر ” قحت” في تظاهرات الخرطوم والولايات غير وجوه خصومها ومخالفيها، فعجلت إلى سلطات الأمن تستحثهم منعهم وتفريقهم والقبض على بعضهم، وإلى لجنة التمكين تستصدر القرارات تلو القرارات بخفة وعجلة متجاوزة قيود وموانع قانونية وأخلاقية، فالرهان على”الألم” كما قال محمد الفكي عضو مجلس السيادة “سنجعلهم يصرخون” إشارة لخصمهم السياسي المعني بقرارات لجنته لتمكين قحت وفك تمكين الكيزان.

إنها معركة الماضي التي تستوعب جهد “قحت” بشكل مركزي، وإلى ميدانها يهرع كل يوم مسؤول، وآخرهم وزير الإعلام الذي استل في ميدان المبارزة والعنف اللفظي من قاموسه عبارة اختبأ في إسنادها للشعب السوداني: “نمرغ أنوفهم بالتراب “!.
إنها تعابير ومفردات تصدر عن نفسية الجالس على الكرسي والمستند على السلطان والمتدرع بسطوته، وقد جربها من كان قبلهم، فما أغنت عنه شيئا.

• غاب عن نظر قحت ومناصريها، وما كان ينبغي أن يغيب، أن أزمتهم كامنة فيهم، تتوكأ فعلهم وكسبهم، وتصدر عن نهجهم وتفكيرهم، قبل أن تكون توظيفا من “خصمهم” السياسي.

وشواهد ذلك تقرأه بوضوح في الآتي:

١/ الصراع السياسي والاستقطاب داخل قوى الحرية والتغيير نفسها، والخلاف بين مكوناتها ما ظهر منه وما بطن (كما صرح بذلك سكرتير الحزب الشيوعي وغيره من قيادات قحت في مقابلات صحفية).
ومرد ذلك أن التحالف بات في قبضة قوى الإجماع الوطني بنهجها الرافض للتسوية والتعاطي الهادىء لقضايا الانتقال. وتلحظ ذلك بوضوح في مجانبة ظاهرة للإمام الصادق المهدي وللسيد عمر الدقير لخط الحرية والتغيير ونقدهما لمسلكيته السياسية.

٢/ صراع قحت نفسها مع حكومة حمدوك حول نهجها الاقتصادي مما جعلها مشلولة كسيحة، لا تعرف أي نهج تنتهج. وتجلى ذلك بوضوح في قضية “رفع الدعم”، وجذور هذا الصراع تمتد عميقا إلى صراع الحزب العجوز (الشيوعي) مع مرافيده (الشلة) الذين سيطروا على مكتب حمدوك وأحاطوا به إحاطة كاملة. وامتد الصراع إلى لجان المقاومة، فالحزب يريدهم عصاة يرفعها في وجه العسكر وحكومة حمدوك ضمن خطته لتعزيز المسار الثوري ضد الهبوط الناعم كما يقول، و(الشلة) يريدون سحبهم من رصيد مناوئيهم، ليحشروهم في رصيد حكومة حمدوك، تحت مسمى “لجان الخدمات والتغيير”.

٣/ حالة الشك الدائمة في شريكها العسكري، تتهمه بالتغول على سلطاتها المدنية حينا، وبممالأة القديم أحيانا، وبالائتمار عليها مع الخارج في أحايين كثيرة، ثم ها هي تلعب في الخفاء ” اللعبة الخطرة”، مستنصرة بهذا المكون على ذاك، رغبة في الحماية والدعم للحيلولة دون انقلاب تتوقعه وتخشاه. وربما تشتري به “الوقت” لحين وصول قوات الأمم المتحدة فتضرب بهم هذا وذاك !.

٤/ فشلها في خلق حالة حوارية سلسة مفضية لسلام مع الحركات المسلحة. وتغريدات وبيانات الحركات شاهد ودليل، وآخر ما وصفها به فيصل محمد صالح بأنها تمارس “الابتزاز”، وهذا وصف يكشف عن هوة وتباعد.

٥/ الجفوة والخصومة مع المحور الإقليمي الداعم لحكم ما بعد البشير، وتجلى ذلك في مخاطبات الشيوعي واتهاماته، مما اضطر وزير الدولة بالخارجية الإماراتية للرد عليهم في تغريدة شهيرة. وإلى جنس هذا السلوك مضافا إليه الهتافات في وجه وزير الدولة للخارجية السعودي في الخرطوم، والتظاهرات صوب سفارات دول المحور .. من جنس هذا قبض المحور يد الدعم من بعد بسط، وقد أكد هذا صراحة الفريق أول حميدتي.

٦/ حالة التباعد والمجافاة مع غالب القوي السياسية، من شاركها الميدان، ومن لم يشاركها، زاعمة بلسان حالها أن سقوط البشير زرعته وحدها وحصدته وحدها وستأكل ثماره وحدها !. وأما التيار الإسلامي فقد استعادت قحت بمكونها اليساري معارك الماضي لتعزز بها حربا شاملة ضروسا، لم تستثن حتى المناهج الدراسية، والمنظمات الخيرية.

٧/ الآثار القاسية للمعاناة الحياتية الناجمة عن ضعف حكومة حمدوك، والتي تشهد عليها كل يوم طوابير الشح والندرة والغلاء، وتدهور العملة السودانية.

نسيت “قحت” أو تناست أنها تسللت إلى أفئدة الناس وعقولهم بخطابها الذي نسجته من أزمات السياسة والحياة إبان حكم البشير، وها قد تضاعفت المعاناة في عهدها وبلغت حدا من العسر ما كان ينبغي أن يغيب عن بصرها، ولا يشغلها عن علاجه شاغل.

انشغلت قحت بالعرض عن المرض، وبالمظهر عن الحالة التي أنتجته، وصرفت نظرها عن كل هذا الذي عددناه ، وعن رؤية خصمها الحقيقي “العجز والفشل” ماثل فيه، وأبصرت فقط ويا للدهشة خصمها الذي علا صوته محتجا عليه !.

وإذا غاب عن قحت أن تبصر ذلك كله، رغم بروزه وعلو صوته، غفلة أو مكابرة أو سكرا بالسلطة فلا ينبغي أن يغيب عنا جميعا. فقد بات التفكير في ما بعد قحت واجبا تستحثه مخاطر عديدة أراها تحكم قبضتها على بلادنا كل يوم.

١٨ ابريل ٢٠٢٠

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى